ابن عجيبة

548

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

الكفر ، ونطيع بعد المعصية . فيجابون بعد قدر عمر الدنيا : أَ وَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ أي : أو لم نعمركم تعميرا يتذكر فيه المتذكر . وهو متناول لكل عمر يتمكن منه المكلّف من إصلاح شأنه ، والتدبر في آياته ، وإن قصر ، إلا أن التوبيخ في المتطاول أعظم . وقيل : هو ثماني عشرة سنة . وقيل : ما بين العشرين إلى الستين ، وقيل : أربعون . وروى أن العبد إذا بلغ أربعين سنة ولم يتب ، مسح الشيطان على وجهه . وقال : وجه لا يفلح أبدا ، وقيل : ستون . وعنه صلى اللّه عليه وسلم : « العمر الذي أعذر اللّه فيه ابن آدم ستون سنة » « 1 » ، وفي البخاري عنه عليه السّلام : « أعذر اللّه المرء آخر أجله حتى بلغ ستين سنة » « 2 » . وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ أي : الرسول عليه السّلام ، أو : الكتاب ، وقيل : الشيخوخة ، وزوال السن ، وقيل : الشيب . قال ابن عزيز : وليس هذا شئ ؛ لأن الحجة تلحق كل بالغ وإن لم يشب . وإن كانت العرب تسمى الشيب النذير . ه . ولقوله تعالى بعد : فَلَمَّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ ، فإنه يتعين كونه الرسول ، وهو عطف على معنى : أَ وَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ؛ لأن لفظه استخبار ، كأنه قيل : قد عمرناكم وجاءكم النذير . قال قتادة : احتج عليهم بطول العمر ، وبالرسول ، فانقطعت حجتهم . قال تعالى : فَذُوقُوا العذاب فَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ يدفع العذاب عنهم . الإشارة : الذين كفروا بطريق الخصوصية ، وأنكروا وجود التربية بالاصطلاح ، فبقوا مع نفوسهم ، لهم نار القطيعة ولو دخلوا الجنة الحسية ، لا يقضى عليهم فيموتوا ، ويرجعوا إلى الاستعداد بدخول الحضرة ، ولا يخفف عنهم من عذاب حجاب الغفلة ، بل يزيد الحجاب بتراكم الحظوظ ، ونسج الأكنة على القلوب ، كذلك نجزى كل كفور وجحود لطريق التربية . وهم يصطرخون فيها ، بلسان حالهم ، قائلين : ربنا أخرجنا ، وردّنا إلى دار الفناء ، نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل ، حتى ندخل ، كما دخلها أهل العزم واليقظة ؟ فيقال لهم : أو لم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر ، وجاءكم النذير ، من ينذركم وبال القطيعة ، ويعرفكم بطريق الحضرة ، فأنكرتموه ، فذوقوا وبال القطيعة ، فما للظالمين من نصير . ولمّا كان الكفر والإيمان من أعمال القلوب ، قد يخفى على الناس ، أخبر أن اللّه هو مطلع على ما فيها ، فقال : [ سورة فاطر ( 35 ) : الآيات 38 إلى 39 ] إِنَّ اللَّهَ عالِمُ غَيْبِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ( 38 ) هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلاَّ مَقْتاً وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلاَّ خَساراً ( 39 )

--> ( 1 ) عزاه المناوي في الفتح السماوي ( 3 / 947 ) للبزار ، من حديث أبي هريرة رضي اللّه عنه . وأصله عند البخاري . ( 2 ) أخرجه البخاري في ( الرقاق ، باب من بلغ ستين سنة فقد أعذر اللّه إليه في العمر ، ح 6419 ) من حديث أبي هريرة رضي اللّه عنه .